السيد عبد الأعلى السبزواري
50
مواهب الرحمن في تفسير القرآن
المعاصي والآثام ، فإنّ في بعضها تكفي التوبة الجامعة للشرائط والإنابة إلى اللّه تعالى ، وفي بعضها التوبة والإصلاح ، وفي بعضها الاعتصام باللّه تعالى والإخلاص في الدين . ولا يكفي واحدا منهما للرجوع عن النفاق والدخول في جماعة المؤمنين ونيل جزاءهم ، وهذا يدلّ على أنّ النفاق أسوء بكثير من المعاصي وسائر الصفات الرذيلة والملكات السيئة ، بل الكفر الصريح الّذي اكتفى فيه عزّ وجلّ بالإيمان والعمل الصالح ، قال عزّ وجلّ : فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ [ سورة التوبة ، الآية : 11 ] ، ولعلّ الوجه في ذلك أنّ الكافر مستقيم الفطرة لكنّه على قاعدة منحرفة ، فإذا أزال المانع ورجع إلى الدين الحقّ اكتفي منه بالإيمان والالتزام بلوازمه ، بخلاف النفاق الّذي له منبت عميق في القلب وجذور متشعّبة في النفس ، ممّا يوجب اختلال الفطرة المستقيمة ، فيتكون للمنافق تركيبة سيئة مضطربة لم تقم على قاعدة وهي في غاية السوء ، بخلاف بقية المعاصي ؛ لأنّ في جميعها لم تضطرب الفطرة ، ولأجل ذلك النفاق احتاج إلى إصلاح كثير وجهاد مرير مع النفس يرجع المنافق إلى رشده ويصلح نفسه حتّى يستقيم طبعه ، فلم تكن هذه الشروط لتهويل الأمر وبيان فظاعة النفاق وشدّة أثره في النفس والفطرة فحسب ؛ لأنّ لكلّ شرط أثرا مختصّا به في الإصلاح والتربية ، فأوّل تلك الشروط هو التوبة بالرجوع إلى اللّه تعالى والعزم على ترك النفاق ، والندم على ما صدر منه . وهذا الشرط هو القاعدة العريضة الّتي تبتني عليها التوبة عن جميع الذنوب والآثام ، وتقدّم في بحث التوبة ما يتعلّق بها ، وذكرنا أنّ التوبة بالمعنى المعروف الّذي سبق ذكره ممّا له الأثر النفسي والتربوي في المذنبين النادمين والعازمين على ترك المعاودة مع التدارك بما أمكنه من الأعمال الحسنة كما مرّ . قوله تعالى : وَأَصْلَحُوا . وهو الشرط الثاني ، أي الإصلاح الّذي يقترن بالتربية وترويض النفس وقهرها على العمل بأحكام اللّه تعالى ، فإنّ النفاق أفسد النيات والأحوال